الراغب الأصفهاني
664
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وذكر أن خال مسحل هميم شيطان الفرزدق قال أبو النجم : إنّي وكلّ شاعر من البشر * شيطانه أنثى وشيطاني ذكر وقال آخر : إنّي وإن كنت صغيرا سنّي * فإنّ شيطاني كبير الجنّ رؤية الجنّ وسماعهم وصحبتهم روي أن ابن علاثة قضى بين الجنّ في دم . وقال ابن الأعرابي : نزلت بأعرابي فاستطبت ماءه فسألت عن مكانهم . فقال : هو كثير الجان . فقلت : أو ترونهم ؟ قال : نعم مكانهم في ذلك الجبل وأومأ بيده إلى جبل يقال له سواج . وقد ادعى عدّة من العرب أنهم رأوا خياما وناسا ثم فقدوهم من ساعتهم قال ذو الرمّة : للجنّ باللّيل في غيطانها زجل * كما تناوح يوم الريح عيشوم « 1 » وقال : ورمل عزيف الجنّ في عقداته * هزيز كتضراب المغنّين بالطبل « 2 » ولا تتحاشى العرب من سماع الهاتف وذلك كثير . وقالوا : دويّ الفيافي عزيف الجن . وأصل ذلك أن من سكن الفيافي وتوحش وقلّت أشغاله ربما يتوسوس ، فيتصور الصغير كبيرا ويتفرق ذهنه ثم يجعل ما يتصوره أحاديث فيحكيها . قال عبيد بن أيوب : أخو فقرات حالف الجن واتقى * من الأنس حتّى قد نقضت وسائله من ادّعى أنه تجيبه الجنّ يقال : فلان مخدوم إذا كان إذا عزم « 3 » على الجنّ أجابوه . فمنهم عبد اللّه بن هلال الحميري صديق إبليس ، وكرباس الهندي وصالح الدبيري . وقالوا : من أراد أن يحبه الجن فليتبخر باللّبان ويراعي سير المشتري « 4 » ويغتسل بالماء القراح ، ويكثر من دخول الخرابات . وقالوا إذا آخى الجنيّ أنسيا أخبره ووجد حسه ورأى خياله . ومنهم الكهان نحو جارية جهينة وكاهنة باهلة وشق وسطيح . والعرّاف دون الكاهن . من استهوته الجنّ قالت العرب : استهوت الجنّ سنان بن أبي حارثة يستفحلونه فمات فيهم . واستهووا طالب بن أبي طالب فلم يوجد له أثر قط . وعمرو بن عدي اللخميّ ثم ردّوه إلى جذيمة
--> ( 1 ) الزجل : عزيف الجن - العيشوم : نبت يتخشخش إذا هبّت عليه الريح . ( 2 ) عقدات الرمل : ما تعقد وتراكم من الرمل - الهزيز : دويّ الريح وصوت الرعد . ( 3 ) عزم على الجن : أي قرأ العزائم واحدتها عزيمة وهي الرقية ، والمعزّم : الراقي . ( 4 ) المشتري : نجم من السيّارات .